الشيخ محمد علي طه الدرة

217

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ : المراد به التوراة التي أنزلها اللّه على موسى ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام . وقال الربيع ، وابن إسحاق : المراد : السّبعون الذين اختارهم موسى للاعتذار عن عبادة بني إسرائيل العجل ، فسمعوا كلام اللّه ، فلم يمتثلوا أمره ، وحرّفوا القول في إخبارهم لقومهم . وهذا ضعيف جدّا ، والمعتمد الأوّل ، ويؤيده قوله تعالى : ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ . قال مجاهد ، والسّدّي : هم علماء اليهود ؛ الّذين يحرفون التوراة ، فيجعلون الحرام حلالا ، والحلال حراما إتّباعا لأهوائهم . وأيضا حرّفوا ما فيها من صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحرّفوا آية الرّجم ، ويفسّرون التوراة بما يشتهون ، ففي صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كتبوا بدل « أكحل العين ، ربعة ، أجعد الشعر ، حسن الوجه » : أزرق العين ، سبط الشّعر ، طويلا . . . إلخ . هذا ؛ والفعل ( يسمع ) من الأفعال الصّوتية ، إن تعلق بالأصوات ؛ تعدّى إلى مفعول واحد ، وإن تعلق بالذّوات تعدّى إلى اثنين ، الثاني منهما جملة فعلية مصدّرة بمضارع من الأفعال الصّوتية ، مثل قولك : سمعت فلانا يقول كذا ، وهذا اختيار الفارسي . واختار ابن مالك ، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محلّ نصب حال ؛ إن كان المتقدّم معرفة ؛ مثل قولك : سمعت زيدا يقول كذا ، وصفة ؛ إن كان نكرة ، مثل قولك : سمعت رجلا يقول كذا . هذا ؛ والكلام بالنسبة إلى البشر يدلّ على أحد ثلاثة أمور : أولها : الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم ، تقول : أعجبني كلامك زيدا . تريد : تكلّمك إيّاه . وقال الشاعر : [ البسيط ] قالوا : كلامك هندا وهي مصغية * يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا وثانيها : ما يدور في النّفس من هواجس ، وخواطر ، وكلّ ما يعبّر عنه اللفظ لإفادة السّامع ما قام بنفس المخاطب ، فيسمّى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية ، تأمل في قول الأخطل التغلبي : [ الكامل ] لا يعجبنّك من خطيب خطبة * حتّى يكون مع الكلام أصيلا إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللّسان على الفؤاد دليلا ثالثها : كلّ ما تحصل به الفائدة ، سواء أكان ما حصلت به لفظا ، أو خطّا ، أو إشارة ، أو دلالة حال . انظر إلى قول العرب : ( القلم أحد اللّسانين ) ، وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف : ( كلام اللّه ) ، ثم انظر إلى قوله تعالى في هذه الآية : يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ وقال جلّ شأنه في سورة ( التوبة ) رقم [ 6 ] : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وإلى كلمته جلّت حكمته في سورة ( آل عمران ) رقم [ 41 ] : قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي الّذي نفى الكلام اللّفظي عن محبوبته ، وأثبت لعينها القول ، وذلك في قوله : [ الطويل ]